الغزالي

55

إحياء علوم الدين

فلا شخص أكبر منزلة عند الله من المصطفى صلى الله عليه وسلم ولم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه وقال السرىّ : إني لأنظر إلى أنفى كل يوم مرات ، مخافة أن يكون قد اسود وجهي وقال أبو حفص : منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي أن الله ينظر إلىّ نظر السخط ، وأعمالى تدل على ذلك . وخرج ابن المبارك يوما على أصحابه فقال . انى اجترأت البارحة على الله ، سألته الجنة . وقالت أم محمد بن كعب القرظي لابنها . يا بني ، إني أعرفك صغيرا طيبا ، وكبيرا طيبا . وكأنك أحدثت حدثا موبقا لما أراك تصنع في ليلك ونهارك . فقال يا أماه ، ما يؤمنني أن يكون الله تعالى قد اطلع عليّ وأنا على بعض ذنوبي فمقتنى وقال وعزتي وجلالي لا غفرت لك ؟ . وقال الفضيل إني لا أغبط نبيا مرسلا ، ولا ملكا مقربا ، ولا عبدا صالحا ، أليس هؤلاء يعاينون يوم القيامة ؟ إنما أغبط من لم يخلق وروي [ 1 ] أن فتى من الأنصار دخلته خشية النار ، فكان يبكى حتى حبسه ذلك في البيت . فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فدخل عليه واعتنقه ، فخرّ ميتا . فقال صلى الله عليه وسلم « جَهَّزُوا صَاحِبَكُمْ فَإِنَّ الْفَرَقَ من النَّارِ فَتَّتَ كَبِدَه ُ » وروي عن ابن ميسرة ، أنه كان إذا أوى إلى فراشه يقول . يا ليت أمي لم تلدني . فقالت له أمه يا ميسرة ، إن الله تعالى قد أحسن إليك ، هداك إلى الإسلام . قال أجل ، ولكن الله قد بين لنا أنا واردوا النار ، ولم يبين لنا أنا صادرون عنها . وقيل لفرقد السبخي . أخبرنا بأعجب شيء بلغك عن بني إسرائيل . فقال . بلغني أنه دخل بيت المقدس خمسمائة عذراء ، لباسهن الصوف والمسوح ، فتذاكرن ثواب الله وعقابه ، فمتن جميعا في يوم واحد وكان عطاء السلمي من الخائفين ، ولم يكن يسأل الله الجنة أبدا ، إنما كان يسأل الله العفو . وقيل له في مرضه . ألا نشتهي شيئا ؟ فقال إن خوف جهنم لم يدع في قلبي موضعا للشهوة ويقال إنه ما رفع رأسه إلى السماء ولا ضحك أربعين سنة . وأنه رفع رأسه يوما ففزع ، فسقط فانفتق في بطنه فتق . وكان يمس جسده في بعض الليلة مخافة أن يكون قد مسخ . وكان إذا أصابتهم ريح ، أو برق ، أو غلاء طعام قال هذا من أجلى يصيبهم . لو مات عطاء لاستراح الناس